قِطَارُ الجِبَالِ
يَقُودُنِي كُلَّ لَيْلَةٍ
إِلَى بُسْتَانٍ عَالِ
فِيهِ خُضْرَةٌ،
وَأَمَانٌ.
وَمَاءٌ جَارِ
وَأَحِنُّ
إِلَى رَائِحَةِ أُمِّي،
وَإِلَى قِطْعَةِ كِسْرَةٍ
مَعْجُونَةٍ بِزَيْتِ الزَّيْتُونِ،
وَقِدْرِ فَخَّارِ
تَغْلِي فِيهِ شَرْبَة عَلَى مَهْلِ
أَحِنُّ
إِلَى أَبِي
عَائِدًا مِنْ سُوقِ الخَمِيسِ البَعِيدِ
وَيَدَاهُ النَّحِيلَتَانِ
تَحْمِلَانِ قُفَّةً
يُطِلُّ مِنْ فَمِهَا
رَأْسُ دِيكٍ رُومِي
وَعِنْدَ آخِرِ النَّهَارِ
يَجْلِسُ أَبِي
لِيَرْتَشِفَ قَهْوَتَهُ
بِجِوَارِ قِطِّنَا
النَّائِمِ قُرْبَ فُرْنِ الدَّارِ.
أَحِنُّ
إِلَى تِلْكَ اللَّيَالِي الْمُظْلِمَاتِ
حِينَ يَنْقَطِعُ
تَيَّارُ الْكَهْرَبَاءِ…
هُنَاكَ
يَتَحَوَّلُ أَبِي
إِلَى مُمَثِّلٍ بَارِعِِ
يَحْمِلُنَا بِخَيَالِهِ
إِلَى قُصُورٍ،
وَحَدَائِقَ،
وَعُيُونٍ
وَأَشْجَارِ رُمَّانِ
ثُمَّ يَأْخُذُنَا
إِلَى مَعَارِكِ الأَدَبِ
حَيْثُ يَتَقَاتَلُ الْمَدْحُ وَالْهِجَاءُ،
وَيَتَبَارَى الْفُرْسَانُ
بِالْكَلِمَةِ والمَعَانِي
وَيَرْوِي لَنَا
طَرَائِفَ رِفَاقِ شَبَابِهِ
حَتَّى نَبْكِي
مِنْ شِدَّةِ الضَّحِكِ
وَأُغْمِضُ عَيْنَيَّ
لِأُبْحِرَ فِي ذَاكِرَتِي
بَاحِثًا عَنْ ذَلِكَ الدُّكَّانِ…
ثَلَاثُونَ عَامًا
وَأَبِي يَبِيعُ كُتُبًا مُرَقَّعَةً
أَوْ يَقْرَأُ
تَفْسِيرَ الْقُرْآنِ
وَفِي الْمَوْلِدِ
يَأْتِينَا
بِشُمُوعٍ مُلَوَّنَةٍ
وَبُخُورٍ
وَعِطْرِ أُقْحُوَانِ
وَيُوقِظُنِي مُرَاقِبُ الْقِطَارِ…
أُعْطِيهِ تَذْكِرَتِي
ثُمَّ يُوَدِّعُنِي
بِابْتِسَامَةٍ
وَأُبْغِضُهُ…
لِأَنَّهُ
أَعَادَنِي
إِلَى زَمَانِي
فِي القِطَارِ مَعَ الزِّحَامِ
مَاتَ أَبِي
فِي الشِّتَاءِ
وَأَصْبَحَ دُكَّانُهُ
يَبِيعُ التَّبْغَ
وَالْكِبْرِيتَ
وَأَشْرِطَةَ الْأَغَانِي
وَكُلَّمَا
تَذَكَّرْتُ رائِحَةَ ذَالِكَ المَكَانِ
سَمِعْتُ صَوْتَ أَبِي
يَنْهَضُ مِنْ ذَاكِرَتِي
وَشْرَاكْ وْلِيدِي
مَاتَ أَبِي
وَذَبُلَتْ
زُهُورُ حَدِيقَتِنَا
وَشَجَرَةُ الرُّمَّانِ
وَأُغْلِقَ
كِتَابُ أَبِي الْمُرَقَّعُ
وَفَجْأَةً…
اِنْقَطَعَ تَيَّارُ الْكَهْرَبَاءِ