تَكَالَبَ الْكُلُّ عَلَيْنَا،
النَّاسُ وَالزَّمَانُ وَالْمَكَانْ،
الْكُلُّ أَصْبَحَ عَمِيلًا،
وَمُخْبِرًا وَسَجَّانْ.
الْكُلُّ، يَا حَبِيبَتِي،
يَهْجُو حُبَّنَا بِأَقْبَحِ الْكَلَامْ،
حَتَّى الْكِلَابُ بَالَتْ فِي حَدِيقَتِنَا،
عَلَى شَجَرَةِ الرُّمَّانْ.
الْكُلُّ بَاعَ قِصَّتَنَا
بِأَبْخَسِ الْأَثْمَانْ،
وَتَرَكُوا لَنَا بَابًا مُحَطَّمًا،
وَقَلْبًا مُكَسَّرًا،
وَرَسَائِلَ بِلَا عُنْوَانْ.
لَا تَسْمَعِي لَهُمْ، تَعَالَيْ،
مَا زَالَ فِي صَدْرِي مَكَانْ،
ضَعِي يَدَيْكِ عَلَى يَدَيَّ،
وَلْيَفْعَلُوا مَا شَاءُوا الْآنْ.
إِنْ أَغْلَقُوا الْأَبْوَابَ دُونَكِ،
أَوْ حَرَمُونَا مِنَ الْأَمَانْ،
سَأَظَلُّ أَحْفَظُ صَوْتَكِ،
حَتَّى إِذَا ضَاعَ الْكَلَامْ.
هَذَا مَكَانُكِ لَمْ يَزَلْ،
وَالْبَابُ يَسْأَلُ مُنْذُ غِبْتِ،
وَالْكُوبُ حَيْثُ تَرَكْتِهِ،
وَالْعِطْرُ بَاقٍ حَيْثُ كُنْتِ.
أُخْفِي عَنِ النَّاسِ دَمْعِي،
وَأَقُولُ: إِنَّكِ سَوْفَ تَعُودِينْ،
وَأَرُدُّ لِلْمِرْآةِ وَجْهِي،
كَيْ لَا تَرَيْ مَا فَعَلَتْ بِيَ السِّنِينْ.
وَأَمُرُّ بِالْمَقْهَى الْقَدِيمِ،
فَلَا أَرَاكِ، وَلَا أَجِدُنِي،
وَأَكَادُ أَطْلُبُ قَهْوَتَيْنِ،
ثُمَّ أَذْكُرُ… أَنَّنِي وَحْدِي،
أَجُرُّ دَمْعِي وَالْأَنِينْ.
لَا تَسْمَعِي لَهُمْ، تَعَالَيْ،
مَا زَالَ فِي صَدْرِي مَكَانْ،
ضَعِي يَدَيْكِ عَلَى يَدَيَّ،
وَلْيَفْعَلُوا مَا شَاءُوا الْآنْ.
إِنْ أَغْلَقُوا الْأَبْوَابَ دُونَكِ،
أَوْ حَرَمُونَا مِنَ الْأَمَانْ،
سَأَظَلُّ أَحْفَظُ صَوْتَكِ،
حَتَّى إِذَا ضَاعَ الْكَلَامْ.
قَالُوا: سَتَنْسَى بَعْدَ حِينٍ،
وَالْقَلْبُ يُتْعِبُهُ الْحَنِينْ،
مَا يَعْرِفُونَ بِأَنَّنِي
أَلْقَاكِ فِي وَجْهِ الْعَابِرِينْ.
مَا يَعْرِفُونَ بِأَنَّنِي
أَسْهَرُ طُولَ اللَّيْلِ،
أَبْحَثُ بَيْنَ رَسَائِلِكِ
عَنْ صَوْتِكِ الْمَدْفُونْ.
فَأَسْمَعُكِ تَهْمِسِينَ:
«نَمْ يَا خَلِيلِي،
وَلَا تُصَدِّقْ، لَحْظَةً،
مَا يَقُولُ الْحَاقِدُونْ».
أَنَا لَا أَلُومُكِ إِنْ تَعِبْتِ،
فَالْحُزْنُ أَثْقَلَ خُطْوَتَيْكِ،
وَأَنَا الَّذِي وَعَدْتُكِ بِالْأَمَانِ،
مَا كَانَ غَيْرُ يَدَيَّ لَدَيَّ.
لَوْ كَانَ لِي بَيْتٌ بَعِيدٌ،
لَا يَعْرِفُ عُنْوَانَهُ الْوُشَاةْ،
لَزَرَعْتُ رُمَّانًا لِأَجْلِكِ،
وَجَلَسْتُ أَنْتَظِرُ اكْتِمَالَهْ.
لَكِنَّنِي مَا زِلْتُ هُنَا،
أَحْرُسُ بَيْتًا لَمْ أَجِدْهُ،
وَأَخَافُ أَنْ يَأْتِيَ الصَّبَاحُ،
فَلَا يَدُكِ،
وَلَا عِطْرُكِ،
وَلَا أَحَدْ.
لَا تَسْمَعِي لَهُمْ، تَعَالَيْ،
مَا زَالَ فِي صَدْرِي مَكَانْ،
إِنْ لَمْ يَعُدْ لِلْوَصْلِ دَرْبٌ،
فَلْنَلْتَقِ بَيْنَ الْكَلَامْ.
لَا تَذْرِفِي دَمْعًا عَلَيْهِمْ،
فَقَدْ بَاعُوا الدِّيَارْ،
وَخَانُوا الْعَهْدَ وَالْأَمَانْ،
فَالْحُرُّ لَا يَبْكِي عَلَى الْجَبَانْ.
أَبْكِي عَلَيْكِ،
وَعَلَى الَّذِي لَمْ نَعِشْهُ مَعًا،
عَلَى صَبَاحٍ كَانَ يَكْفِينَا،
وَبَيْتٍ لَمْ نَجِدْ لَهُ مَكَانْ…
وَعَلَى يَدَيْكِ،
حِينَ أَفْلَتَتَا يَدَيَّ…
سَنَلْتَقِي…
لَا أَعْرِفُ أَيْنَ،
وَلَا مَتَى.
غاني مهدي
أكتوبر 2026